السبت , 26 نوفمبر 2022
عاجل
الرئيسية » أخبار » العمالة الغير منتظمة: الدخل قليل والأسعار ترتفع ولا أحد يهتم.. و”القوى العاملة”: لا نستطيع تسجيل كل العمال
العمالة الغير منتظمة: الدخل قليل والأسعار ترتفع ولا أحد يهتم.. و”القوى العاملة”: لا نستطيع تسجيل كل العمال

العمالة الغير منتظمة: الدخل قليل والأسعار ترتفع ولا أحد يهتم.. و”القوى العاملة”: لا نستطيع تسجيل كل العمال

تحقيق: دايفيد رشدي 

“عامل بسيط لم تتعدى يوميته 50 جنيهًا، ومسؤول عن أسرة بأكملها ويواجه الارتفاع المستمر للأسعار دون وجود لمظلة قانونية مفعلة تضمن له حقوقه”، تصف هذه الجملة حال الكثير من النجارين والمزارعين وعمال النقاشة والمحارة وعمال الخرسانة والمحاجر والمعمار، وغيرهم من فئة العمالة الغير منتظمة، والذين يعملون “يوم أيوة ويوم لا”، كما يصفون هم أنفسهم، ودون الحصول على أدنى حقوقهم في التأمين الصحي أو معاش يضمن لهم حياة كريمة بعد بلوغ الستين عامًا.

تفتح وزارة القوى العاملة بابها للعامل الغير منتظم لتسجيل اسمه بالمديرية التابع لها، لاستدعائه حال الحاجة إليه للقيام في الأعمال الخاصة بالمنشآت الحكومية، لكن المفارقة أن كثيرًا من العمال لا يعرفون هذا، والمفارقة الأكبر، أن الوزارة لم تستدعي كثير من العمال الذين سجلوا أنفسهم لديها.

يقول رفعت محرز، كيميائي سلامة وصحة مهنية بوزارة القوى العاملة، إن مصطلح “العمالة الغير منتظمة” تنطبق على كل شخص يعمل عمل يومي لدي الغير بنظام اليومية، ولا يعمل لدى القطاع الخاص، وغير مؤمّن عليه بطرق قانونية، مثل عمال المقاولات والزارعة والمحاجر وعمال البحر والذين شملتهم القرارات الوزارية الخاصة بالعمالة غير المنتظمة.

 دور وحدة العمالة الغير منتظمة

ويضيف “محرز” أن وزارة القوى العاملة تعمل على إدراج جميع أسماء العمالة الغير منتظمة بالوحدات المقامة بالمحافظات في وحدة “العمالة الغير منتظمة”، والتي يتمثل عملها في تشغيل هذه العمالة لدى شركات المقاولات بعد توقيع عقود لهم مع المقاولين لمدة محددة نظير أجر يومي، و إبلاغ شركات التأمين الخاصة بالمقاولات بأسماء العمال لضمان الرعاية الصحية والاجتماعية، حال حدوث إصابات أو حوادث لهذه العمالة لتكون شركات التأمين هي المسؤولة عن العلاج وصرف التعويضات اللازمة في حالة الوفاة وصرف المعاشات لأسرهم دون تحميل الدولة أي أعباء مالية، مع توفير بيئة عمل أمنة وصحية وذلك بتكليف مفتشي السلامة والصحة المهنية بالقوى العاملة والهجرة بمراجعة الشروط اللازمة، وإلزام الجهة المنفذة بتوفير مهمات الوقاية من المخاطر المهنية وتدريب العمال على كيفية استخدامها على نفقة المشغل ( المقاول أو صاحب العمل )، وتحصل وحدة العمالة الغير على نسبة من أجور العمالة مقابل التشغيل والإشراف والرعاية.

ويشير كيميائي سلامة وصحة مهنية بوزارة القوى العاملة، إلى أن تنفيذ ذلك يحتاج لعدد كبير من الموظفين لا تمتلكهم وزارة القوى العاملة، مما يعطل تنفيذ تلك الإجراءات وتشغيل كل العمال المستهدفين، مُدللًا على ذلك بعدم صرف كل الميزانية المرصودة للعمالة الغير منتظمة بسبب عدم وجود حصر وافِ للعمال منذ عهد الوزيرة عائشة عبد الهادي، مؤكدًا أن وحدات العمالة غير المنتظمة لا تشغل أي عامل في شركة مقاولات ولكن تسوي عقود العمالة مع المقاولين عند سداد المستحقات المالية الخاصة بكل عملية مقاولة، والتي تقدرها القوى العاملة حسب الرصيد المالي المستخلص أو عقد المقاولة وليس عدد العمال، مُشيرًا إلى أن القوى العاملة لو شغلت كل العمالة كان سيلزم وحدة العمالة الغير منتظمة أن تحصل عمولة التشغيل بشكل يومي.

القوانين المنظمة للعمالة الغير منتظمة

ويوضح رفعت محرز، كيميائي سلامة وصحة مهنية بوزارة القوى العاملة، أن وحدة العمالة غير المنتظمة تصنف كل حرفة على حدا، لتسهيل عملية ترشيح العمالة للمقاولين، تنفيذًا لقانون العمل رقم 12 لسنة 2003، والخاص بتشغيل ورعاية العمالة الغير منتظمة وتوفير اشتراطات السلامة الصحية والمهنية لدى العامل، والتي وضحتها المادة 26 من القانون ذاته، علاوة على القرارات الوزارية المنفذة له، وأحكام القانون رقم 1 من قرار 211 لسنة 2003، والخاص بالمقاولات والمنفذ للمادة 213 من القانون 12 لمعرفة العمال من قبل الرعاية الغير منتظمة، وبعدها يدرج المقاول العملية بالتأمينات طبقًا للقرار 554 لسنة 1975، مُشيرًا إلى أن المقاولين يدرجون العملية في التأمينات بعد انتهاء العمل، مما يعود بالخسارة على العامل، لأن الإجراء يجب أن يتم في البداية عند إسناد العمل للمقاول في طلبه لعمال، ليوقع عقد ثلاثي الأطراف بين العامل والمقاول ووحدة العمالة الغير منتظمة، بعد التأكد من توفير اشتراطات السلامة والصحة المهنية عن طريق مفتشي القوى العاملة، مؤكدًا أن المقاولين لا ينفذون القانون بالشكل الصحيح.

لا أعرف مكان مكتب العمل

“لا أعرف مكان مكتب العمل”، هكذا يقول علي محمد أحمد، عامل زراعة، مقيم بقرية المنشأة التابعة لمركز سوهاج، والذي يعول أسرة مكونة من 8 أفراد، ويعمل بيومية قدرها 50 جنيهًا، مؤكدًا أنها لا تكفي متطلباته أو متطلبات أسرته، مما يدفعه دومًا للاستدانة من أقاربه.

ويرى “أحمد”، أن المشكلة لا تكمن في العمل باليومية بقدر من عدم توافر العمل بشكل يومي، مؤكدًا أنه لا يعرف مكان مكتب العمل ليسجل نفسه هناك ليخرج للعمل يوميًا دون أن يضطر للاستدانة.

تعلم علي محمد أحمد، حرفة الزراعة منذ أن كان في الخامسة عشر من عمره، مؤكدًا أنه لم يتعلم حرفة غيرها لأن محل إقامته هو قرية ريفية صغيرة يعمل معظم أهلها في هذه المهنة، مؤكدًا أن الحياة هناك بسيطة، وبالرغم من ذلك تتجاوز فاتورة الكهرباء 50 جنيهًا، رغم أنه لا يملك سوى “لمبة” واحدة في منزله.

“لا يوجد عقد بيني وبين صاحب العمل”

يقول عدلي جبرة مشرقي، عامل نجارة، وحاصل على دبلوم فني صناعي تخصص سيارات، إنه عمل في مهنة النجارة لأنها المهنة الوحيدة التي أتيحت له وليس لأنه يحبها، مُشيرًا إلى أن عمله في النجارة كان صنعة تعلمها من والده ويعمل بها دون وجود أي نوع من التعاقد بينه وبين صاحب العمل، مُضيفًا أن علاقته بصاحب العمل هي إنهاء الأعمال المنوط بها مقابل يومية 50 جنيهًا، مشددًا أن دور مكتب العمل لا يقتصر في ذهاب العمال إليه لتسجيل أنفسهم بقدر ما يجب أن يبحث المكتب عن حقوق الشباب بالذهاب إلى أماكن عملها في الورش وأماكن البناء وغيرها.

ويرى “مشرقي” أن حرفة التجارة تأثرت كثيرًا بالثورة وبرفع الدعم، الذي رفع من أسعار الأخشاب، مما قلل من العمل داخل سوق النجارة، مُشيرًا إلى أن المبلغ الذي كان يكفي لتشطيب أثاث شقتين قبل سنوات، لا يكفي الأن لصناعة أثاث شقة واحدة.

أصحاب العمل: حق العامل علينا يوميته فقط

ويقول وليم حبيب، صاحب ورشة نجارة، إنه تأثر كثيرًا بعد الثورة ورفع الدعم لأن متر الخشب ارتفع سعره من 2800 جنيه إلى 5 آلاف جنيه، مما تسبب بخسارة كبيرة لأصحاب العمل، موضحًا أن الأسعار ترتفع بعد الاتفاق مع الزبون على السعر القديم، ليتحمل صاحب العمل الخسارة في هذه الحالة.

ويشير “حبيب” إلى أنه لا يؤمن على العاملين لديه، لأن العمل القليل ودخل الورشة لا يتحمل معاشات وتأمينات، مؤكدًا أنه يعطي يوميات تتراوح ما بين 50 إلى 70 جنيهًا حسب العمل، مُضيفًا “بعد ما ياخد الصنايعي يوميته ماليش دعوة بيه”، لافتًا إلى أنه تعرض لحادث أثناء العمل كلفه 15 ألف جنيه مصاريف عمليات وعلاج دون أن يحصل على مليمًا واحدًا من التأمين الصحي أو تعويض من أي جهة.

ويقول كنزي رفعت، 32 عامًا، عامل معمار وصاحب “خلاطة” أسمنت، إنه يعمل أكثر من 10 ساعات يوميًا يقضي معظمها في البحث عن عمل جديد، مُضيفًا أنه يعمي في مهنة المعمار منذ 18 عامًا، وبدأ رحلته عاملًا، ثم اشترى “الخلاطة” ليستثمر مدخراته في المجال الذي يعرفه، مؤكدًا أن طوال فترة عمله لم يشهد سوق البناء ركودًا مثل هذه الفترة، لا سيما بعد وصول طن الحديد لأكثر من 10 آلاف جنيه، مُشيرًا إلى أنه يشغل 12 عاملًا كانوا يعملون معه طوال الأسبوع قبل ارتفاع الأسعار، ولكن الآن لا يعملون إلا يومًا واحدًا أو يومين على الأكثر أسبوعيًا.

ويرى “رفعت” أن الحل للعمالة المؤقتة هي تسجيل مكتب العمل لهم ليجدوا عملًا بشكل يومي، ولا يضطرون لإنفاق كل مدخراتهم القليلة أو الاستدانة حال وقوع أي حادث لهم، مثل ما حدث له من قبل.

إجازات مفتوحة للعمال بسبب توقف العمل

يقول رفعت كمال وهبة، حاصل على دبلوم فني صناعي ويعمل نقاشًا، إنه عمل نقاشًا لمدة كبيرة بدل من انتظار وظيفة، وذهب للعمل بحرفته في إحدى شركات البناء الخاصة بمدينة الغردقة، مُشيرًا إلى أنه بعد ركود أسواق البناء، أعطتهم الشركة إجازة مفتوحة بسبب ركود العمل، مؤكدًا على أنه لم يسجل اسمه في النقابات العمالية وغيرها لعلمه أن النقابات لا تقدم أي مساعدة للعمال، مُطالبًا بتوفير حقوق للعمال، وتوفير بيئة عمل صالحة لهم كأي مواطنين أخرين.

ويقول أحمد عليوة، نجار مسلح، إنه يعمل 8 ساعات يوميًا مقابل يومية قدرها 90 جنيهًا، مُشيرًا إلى أنه خرج من المدرسة في عمر 15 عامًا ليعمل في هذه المهنة التي لم يجد غيرها ليكسب قوت يومه.

ويضيف “عليوة” إنه تعرض لحادث أثناء العمل تسبب في كسر رجله، وتكلف هو وحده – حينها-مصاريف العلاج الخاص دون تلقي مساعدة من أي جهة، لافتًا إلى أن الموظفين في أي مكان يحصلون على تأمين صحي وإجازات سنوية، وعطلة يوم الجمعة، بينما العمال اليوم يرون كل الأيام يوم جمعة في ظل ركود سوق البناء.

ويقول رائد منير، عامل سباكة، إن عمله يجري بطريقة الاتفاقات الودية، دون وجود لأي عقود بينه وبين المقاولين أو الزبائن، مُشيرًا إلى أن أهم المشاكل بالنسبة لمهنته الحرة هي العمل بشكل متقطع، موضحًا أنه إذا عمل لمدة 10 أيام في الشهر فإنه يصرف بقدر ما حصل في هذه الأيام، مُشيرًا إلى أنه لا يوجد جدوى من مكتب العمل أو وزارة القوى العاملة في مساعدة أصحاب الحرف والمهن الحرة.

ويضيف “منير” أن الثورة كان لها الأثر الأكبر على العمال من ناحيتين، أولاهما هي ارتفاع أسعار السلع مما جعل العمال ينفقون أكثر من طاقتهم، والثانية هي ارتفاع أسعار الخامات ومواد البناء مما تسبب في ركود سوق البناء في مصر.

النقابة المستقلة للعمالة الغير منتظمة

يقول محمد عبد القادر، أمين عام النقابة المستقلة للعمالة الغير منتظمة بالقاهرة، إنه إلى الأن لم تنشئ النقابة فرعًا لها في سوهاج، موضحًا أن الخدمات التي تقدمها النقابة لأعضائها هي الرعاية الصحية والتأمين والمعاشات.

ويضيف “عبد القادر” أن النقابة اجتمعت بمستشار وزير الصحة لإدخال فئة العمالة الغير منتظمة في مشروع قانون التأمين الصحي، وخاطبت التأمينات والمعاشات لتوفير معاشات للعمال، من الأموال التي جمعتها من المقاولين منذ عام 1959، مؤكدًا أن توفير الرعاية الصحية والمعاشات يتوقف على إقرار قوانين تخص العمالة بعد طرحها للحوار المجتمعي، لضمان الحفاظ على حقوق العمالة الغير منتظمة في إطار قانون يشارك في إقراره الجميع، وليس جهة واحدة.

ويؤكد أمين عام النقابة المستقلة للعمالة الغير منتظمة بالقاهرة، على أن النقابة لم تحصل أي مبالغ من العمالة الغير منتظمة لحين صدور قانون النقابات العمالية، مُشيرًا إلى أن العضوية بالنقابة اختيارية وليست إلزامية، مؤكدًا على أن النقابة ستنشئ فرعًا لها في سوهاج بعد صدور قانون النقابات العمالية.

ويشير محمد عبد القادر، أمين عام النقابة المستقلة للعمالة الغير منتظمة بالقاهرة، أن المنوط بتقديم الخدمات للعمالة الغير منتظمة هي وزارة القوى العاملة، والتي من دورها أن تقدم للعمال رعاية صحية واجتماعية بعد تسجيلهم لديها طبقًا للقانون، لا سيما بعد أن حصلت الوزارة أمولًا من المقاولين نظير تسجيل العمالة وتقديم الرعاية لهم، لافتًا إلى أن الجهاز المركزي للمحاسبات كشف عن أن إقرار وزارة القوى العاملة بتقديم الرعاية الصحية للعمال في المستشفيات هو حبرٌ على ورق.

ويؤكد “عبد القادر” على أن وزارة القوى العاملة تحصل أموالًا لصالح صندوق التدريب طبقًا لقانون العمل، مُشيرًا إلى أن العمال لم يستفيدوا من هذا الصندوق منذ إنشائه في عام 2003، ولافتًا إلى أن قلة التدريب تسببت في تراجع العمالة الماهرة، واتجاه الكثيرون إلى العمل كسائقي “توك توك”، وغيرها من الأعمال التي تحتاج لمهارة أو تدريب، مُشيرًا إلى أن النقابة خاطبت هيئة الرقابة الإدارية لتشكيل لجنة لمراجعة القوائم المالية لأموال العمالة الغير منتظمة والتي حصلتها وزارة القوى العاملة في 27 مديرية على مستوى الجمهورية، لبيان جهات صرف هذه الأموال.

وشدد أمين عام النقابة المستقلة للعمالة الغير منتظمة، على أن حصول العمالة الغير منتظمة على حقوقها من حماية تأمينية وحماية صحية وحماية تعاقدية لن يأتي إلا بوضع نص صريح داخل قوانين العمل يحافظ على حقوق العمالة الغير منتظمة والتي تشكل تقريبًا حوالي 80 % من إجمالي قوة العمل.

[embedyt] http://www.youtube.com/watch?v=HjHducZDNnQ[/embedyt]

 

 

عن عبد الرحيم عوض الله

أمين صندوق مؤسسة الجنوب للدراسات الاقتصادية والاجتماعية،ومدير الوحدة القانونية بالمؤسسة .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*