الأحد , 4 ديسمبر 2022
عاجل
الرئيسية » أخبار » المياه تغرق أصفون ..والمسئولون لا نعرف نوع المياه
المياه تغرق أصفون ..والمسئولون لا نعرف نوع المياه

المياه تغرق أصفون ..والمسئولون لا نعرف نوع المياه

كتب: صالح عمر

17 منزلاً هجرها ساكنيها بسبب ارتفاع منسوب المياه فيها لأكثر من 55 سم فوق سطح الأرض، بينما ترك عشرات الأسر الدور الأرضي وقطنوا الأدوار العليا للهروب من الماء، في حين يظل المعظم في مستنقعات من جراء تلك المياه التي تغرق قرية أصفون بمركز إسنا جنوبي محافظة الأقصر.

“مؤسسة الجنوب للدراسات الإقتصادية والإجتماعية” زارت قرية أصفون والتي يبلغ عدد سكانها ما يزيد عن الـ40 ألف نسمة، وتقبع ثلث مساحتها تحت رحمة مياه تطفو فوق سطح الأرض لأكثر من 55 سم، بينما اختلف في مصدر تلك المياه هل هي مياه جوفية، أم تسرب من مياه الصرف الصحي “البيارات” أم هي تسرب من شبكة مياه الشرب، وأيًا كان مصدرها فالنتيجة واحدة، هجرة 17 منزلاً بسبب تصدعها ، بالإضافة إلى إخلاء عشرات الأسر للدور الأرضي والسكن في الأدوار العليا، أو تركيب ما يسمى “ياسون” لطرد المياه لباطن الأرض، أو الإستمرار وسط مستنقعات المياه المتدفقة من باطن الأرض بالنسبة للأسر الفقيرة.

في البدء قابلنا عبد الباسط مدني -60 عاماً- الذي قسم أصفون إلى جانبين شمالي وجنوبي، وأن الجانب الجنوبي لها ينخفض عن جابنها الشمالي بما يصل لـ15 مترًا، وأن القرية تعاني من تهالك مواسير مياه الشرب، الأمر الذي أدى إلى كون منازل الجانب القبلي “تعوم على بركة مياه” وأن البيوت أغلبها أصبح آيلاً للسقوط، وأنه حينما قام ببناء منزله لم يكن هناك أية مياه، معتقداً أن تلك المياه تعود إلى تهالك شبكات مياه الشرب، متهمًا المسؤولين من رؤساء المدن ومحافظ الأقصر بعدم الإهتمام بهم، متسائلاً “هل يستطيع الناس الغلابة بناء منازلهم الآن في ظل تلك الزيادات الرهيبة” مستنكراً عدم الإهتمام بهم من قبل المسؤولين بقوله “مطالبين بصرف صحي ومحدش سأل فينا وإحنا من السودان ولا من مصر ولا من أي دولة وكل اللي بنى بيت عايز يهده”.

وأشار مدني إلى كونه حين قام بالبناء والحفر لإنشاء بيارة صرف صحي لم تخرج عليه المياه الجوفية، بعكس تلك الأيام التي تخرج الماء فور الحفر متراً واحداً أو مترين في بعض الأماكن، بخلاف كون سيارات الكسح يصل ثمنها إلى 50 جنيه يومياً، وهو ما يشكل عبئاً كبيراً على الأهالي، معتقداً أن تواجدهم بالصعيد سبب كافي لعدم الإهتمام بهم من قبل المسؤولين، وأن الدولة تراهم شعب جنوبي ولا يهتموا بهم.

وخلال جولتنا بالقرية أرانا الأهالي طاحوناً أغرقته المياه وتم هجره، بخلاف منازل جديدة البناء يبحث أصحابها عن مشترين بسعر بخس دراهم دون وجود مشترين.

بينما يصف الأمير السيد –معاق 35 عاماً- معاناته من جراء المياه المتدفقة من باطن الأرض والتي تملآ المنازل والشوارع بقوله “لما بحاول أمشي بغرس أحد العكازين في الطين نص متر، والناس بتحاول تساعدني، وممكن أتكسر في أي وقت، وفي راجل عجوز اتكسر من كام يوم هو ومعدي في الشارع بسبب المياه”، مضيفًا أن هناك 10 من أطفال شارعه قد أصيبوا بالفيرس من جراء إختلاط مياه الشرب بمياه المجاري، مدعيًا أنه يرى مياه مجاري في بداية شارعه، بينما تصبح المياه مياه حلوة صالحة للشرب في نهاية الشارع، منتقداً المسؤولين بقوله “تروح للمسؤول تكلمه يقولك ماشي حاضر وهو قاعد تحت التكييف ناس قابضة مرتبات ومرتاحة واحنا هنا متهانين وشايلين الطين واحنا مش عارفين نعمل ايه وشوفلونا حل”.

ويروي أبو الحجاج عبد الدايم -55 عاماً- أنه يعاني منذ سنتين من إرتفاع منسوب المياه، مشيراً إلى كونه عامل موسمي مما يجعل ظروفه صعبة للغاية، ولا يملك أموالاً تكفي لهدم منزله وبنائه من جديد، مؤكداً أنه عندما أنهكه التعب قام بإقتراض الأموال من الناس حتى يستطيع صب أرضية منزله، مما جعله حينما يدخل منزله ينحني بسبب إرتفاع الأرضية والإقتراب من السقف، مضيفاً أن المياه لم تتركه وارتفعت في حوائط المنزل، مما يحتم عليه رقع منزله وهو ما لا طاقة له به قائلا “أنا أرزقي وباخد 70 أو 80 جنيه من الشؤون ومش هقدر ارقع والرقعة عايزالها 3 أو 4 آلاف جنيه” مؤكداً عن كونه يقوم بوضع صباعه في حائط منزله فيخرج من الناحية الأخرى، مما جعله يقوم بوضع مشمع للتخفيف من وطأة الأمر مطالباً بحل عاجل من مسؤولي الأقصر.

ويؤكد خلف الله موسى -37 عاماً- أنه يعاني من إرتفاع المياه منذ أكثر من 10 سنوات، حتى وصل إرتفاعها لأكثر من 55 سنتيمتراً فوق سطح الأرض، مضيفاً أنه ترك منزله ثم عاد إليه مرة أخرى نظراً لعدم قدرته على دفعه إيجار أو بناء منزل جديد، مشيراً إلى كونه قام بترك الطابق الأول نهائياً والسكن في الطابقين الثاني والثالث، وقام بردم ما يزيد عن المترين في منزله، بخلاف كونه قام بتركيب “ياسون” لضخ المياه مجدداً إلى باطن الأرض، معتقداً أن تركيب الياسون دليل على أن تلك المياه ليست مياه جوفيه، “حيث أنها لو جوفية لخرجت مرة أخرى، وأنها مياه عزبة كمياه الشرب” يقول خلف الله موسى.

وناشد الأمير أبو كروش عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية التدخل لإنقاذهم قائلاً “انت بتقول إحنا أبنائك طيب إحنا أبنائك كلنا مرضى، المياه اللي بنشربها فيها دود كلها مياه لا تصلح للشرب، فبنطالب سعادتك عشان محدش سأل فينا وأنت بتقول دول أبنائي ، فين أبنائك وإحنا بنحبك أرجود سيادة الرئيس تخلي بالك معانا”

وذهبت “مؤسسة الجنوب للدراسات الإقتصادية والإجتماعية” إلى اللجنة الشعبية لحل مشكلة الصرف الصحي بأصفون للتتعرف على أهم محاور القصة وإلى أي مدى وصل الأمر، وفي البداية حدثنا الشيخ جاد الكريم أبو هيمة – عضو اللجنة والمدرس بالأزهر الشريف- والذي يعتقد أن مشكلة قرية أصفون مشكلة صعبة مريرة، حيث إرتفاع منسوب المياه منذ ثماني أو تسع سنوات، حتى زاد الضرر عن الحد، فاشتكى الأهالي للمسؤولين الذين أخبروهم بضرورة إيجاد مكان لإقامة محطة صرف صحي، وبالرغم من زيارتهم من قبل كافة المسؤولين والمختصين والفنيين، لكن لم تحدث أية استجابة فعلية واقعية، حتى أدى هذا إلى تضرر بعض المنازل وإنهيارها، وهجرة أصحابها وإيوائهم في أماكن أخرى، مشيراً إلى أن ظروف الأهالي المادية سيئة للغاية، مضيفاً إلى إنتشار الأمراض في القرية بسبب الصرف الصحي، وتهالك شبكة مياه الشرب، حتى أصبحت أصفون كبرى قرى مركز إسنا في معدل الإصابة بفيرس سي، معلناً عن كونه كان مصاباً بالمرض وتعالج منه، بخلاف أمراض الفشل الكلوي والحمى التيفودية والتي مصاب بها ابنه ويتعالج منها وغيره الكثير.

وأعلن أبو هيمة أنهم يروا عند فتحهم صنابير المياه بعد قطع المياه وعودتها، فيفاجئوا بطين نازل من تلك الصنابير، مفصحاً عن اعتقاده بأن هذا الأمر دليل على إختلاط مياه الشرب بمياه المجاري، مستغيثاً بالمسؤولين حيث أن هذا الأمر ينذر بكارثة وخاصة أن أهل القرية يصلوا إلى 45 ألف نسمة، مطالباً المسؤولين بالنظر إليهم بعين الرأفة والرحمة وإتمام مشروع الصرف الصحي.

ويعتقد الدكتور موسى علي منصور – دكتور جامعي وعضو اللجنة الشعبية لحل مشكلة الصرف الصحي- أن المياه الموجودة في قرية أصفون مياه صرف صحي بنسبة 80%، بخلاف كون أصفون تعاني من كون المحابس الموجودة في خطوط المياه محابس صينية، مما يجعلها عرضة لتسرب المياه، مما يجعل هناك إختلاط بين مياه الشرب وبين مياه الصرف الصحي عند قطع المياه رجوعها مرة أخرى، مما أنتج زيادة نسبة الإصابة بأمراض فيرس سي والفشل الكلوي والكبدي، راجياً المسؤولين النظر بنظرة رضا، وخاصة أنه توجد قطعة الأرض التي طلبوها كوحدة معالجة ومسجلة، ولا يطلبون من المسؤولين غير عمل شبكة صرف صحي للقرية.

ويذكر محمد أبو الفضل – ورئيس اللجنة الشعبية لحل مشكلة الصرف الصحي – أن المشكلة تتلخص في أن الهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي اعتمدت لأصفون 3 مليون جنيه لإنشاء مشروع الصرف الصحي، تحت إشراف القوات المسلحة وذلك في الـ2015، مشيراً إلى كون هذا الإعتماد تم إرساله إلى المسؤولين، الذين طالبوا بمشاركة مجتمعية من خلال التبرعات من أهالي القرية، الذين قاموا بشراء قطعة أرض بقيمة 480 ألف جنيه، وقاموا بالتبرع بها إلى الوحدة المحلية للقرية، قائلاً “اتبرعنا بيها عشان في مشروع هيقام في أصفون وإلا قيمة الأرض لو خدناها وبعناها هتستفيد بيها القرية، مدام المسؤولين مش هيعملوا المشروع” مشيرا إلى إشادة المهندسين المختصين بمكان تلك المحطة، حيث أنها قريبة من مصرف يقوم بصرف مياه الزراعة على نهر النيل، مما جلعهم يؤكدون عدم إحتياجهم بربط الصرف بصرف مدينة إسنا، بخلاف كونهم لا يحتاجون إلى غابة شجرية أو غيرها، مضيفاً أنه لم يقم أحد بإخبارهم لم توقف هذا المشروع حتى الآن.

أما عن نوعية المياه التي تخرج من باطن الأمر أشار أبو الفضل إلى كونهم اختلفوا في تحديد نوعية المياه الخارجة من باطن الأرض، وهل هي مياه الصرف الصحي، أم أنها مياه ناتجة من تسرب مياه الشرب، أم كونها مياه جوفية، مفصحاً عن اعتقاده بأنها مياه ناتجة عن مياه الصرف الصحي مختلطة مع تسرب مياه الشرب، مطالباً المسؤولين بمعرفة نوعية المياه حتى أن بعض الأهالي قال أن هناك شياطين تضخ تلك المياه. وأضاف أن هذا الأمر لم يتوقف عند غرق المنازل وتهجيرها، ولكن المشكلة الأكبر في كون الأمر جعل أصفون تعاني من زيادة نسبة أمراض التيفود وفيرس سي والفشل الكلوي، حتى أن إختلاط مياه الشرب بالمجاري والمياه الجوفية أدى إلى إصابة 73 شخصاً من أهالي القرية في بداية الألفينيات.

وادعى أبو الفضل رفض محمد بدر محافظ الأقصر النزول لرؤية الناس المتضررة أثناء تواجده في مركز إسنا ومروره بقرية أصفون، متسائلاً أهذا استهتار بالمواطن أم القيادة السياسية، قائلاً “لما المحافظ يرفض يسأل على المواطنين أمال مين هيسأل هيجيلنا رئيس الدولة ويسيب الخارج ويسأل علينا في مشكلتنا احنا مش لاقيين مسؤول يتعاطف علينا في مشكلتنا” مضيفاً أن القرية في كارثة حقيقية حيث هدمت البيوت وغيرها الكثير من البيوت التي ستهدم على أهاليها.

وطالب رئيس اللجنة الشعبية لحل مشكلة الصرف الصحي بأصفون بإدراج مشروع الصرف الصحي للقرية بشكل عاجل في الخطة، بالإضافة إلى تغيير شبكة المياه المتهالكة التي تتسبب في إختلاط المياه الموجودة بالقرية.

وحول هذا الأمر أوضح العميد أشرف الحويحي –رئيس الوحدة المحلية لمركز ومدينة إسنا- أن الموضوع قديم، حيث قامت جامعة جنوب الوادي بعمل دراسة منذ ستة أعوام حول الأمر وتوصلت إلى الأسباب التي كانت عبارة عن ارتفاع منسوب المياه السطحية في ترعتي أصفون وبرنابية أصفون حيث يتم الري بالغمر، بالإضافة إلى عدم وجود صرف صحي بالقرية، بخلاف الإسراف في إستخدام مياه الشرب، وإنخفاض الوعي بالأثار البيئية للمشكلة.

وأضاف رئيس إسنا أنه من خلال زيارته للقرية رأى أن المياه تظهر في الأرض المنخفضة، وأن الرأي المبدأي من المختصين يرجع الأمر إلى مياه جوفية بالإضافة إلى بيارات الصرف الصحي، بخلاف الياسون الذي يتم تركيبه مما يضغط ولا يصرف في باطن الأرض ويقوم بالصرف في التربة فيقوم بتعلية منسوب المياه الجوفية في المناطق المنخفضة.

أما عن من يرى أن هناك تسريباً في خطوط المياه أكد أنه لا يرجح هذا الأمر، وخاصة أن أصفون خطين للمياه تم تغيير أحدهما منذ مدة قريبة، وحاليا يتم العمل على تغيير الخط الثاني، وأنه يرى أن تلك المياه مياه صرف صحي ومياه جوفية، معللاً أنه لو كانت ماسورة خطوط المياه مكسورة لزادت المياه في مكان معين، متسائلاً لماذا لم يزد منسوب المياه في المحابس.

ويشير الحويحي إلى كون الحل الجذري يكمن في إنشاء شبكة صرف صحي بالقرية، وهو ما يعمل عليه من تسريع الخطوات والإجراءات والتأكد من تخصيص قطعة الأرض وإدراج المشروع ضمن مشاريع القوات المسلحة، مستدركاً بأن هذا الأمر لن يتم في وقت بسيط وأنه سيقضي من سنتين إلى ثلاثة سنوات، معتقداً أن الحل المؤقت هو إرتفاع البيوت، وأن نزح المياه من خلال عربات الكسح لن ينهي المشكلة وخاصة أن هذا يتطلب تواجد عربات الكسح 24 ساعة وهو ما يستحيل.

[embedyt] https://www.youtube.com/watch?v=ZlmG0w5MqR8[/embedyt]

 

عن عبد الرحيم عوض الله

أمين صندوق مؤسسة الجنوب للدراسات الاقتصادية والاجتماعية،ومدير الوحدة القانونية بالمؤسسة .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*